اسماعيل بن محمد القونوي

339

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

مشاق لأنها لثقيلة على الأنفس إلا المرتاضين الذين وطنوا نفوسهم على الصبر على الطاعات والصبر عن المنكرات لأنها متوقعة في مقابلتها ما يستحقر لأجله مشاقها ويستلذ بسببه متاعبها ومن ثمة قال النبي عليه السّلام وجعلت قرة عيني في الصلاة فلو قال فإن تحمل المشاق إنما هو للتوقع في مقابلتها ما يستحقر لأجله وهو الثواب الدائم مشاقها ولخوف العاقبة لكان إشارة إلى أنهم بين الخوف والرجاء . قوله : ( وتكرير الضمير للاختصاص ) والمراد بالاختصاص بعد الاختصاص إذ تقديم المسند إليه على الخبر يفيد القصر لكن إفادة تكرير الضمير الاختصاص محل تأمل والتكرير إنما يفيد التأكيد أي تأكيد الإسناد أو تأكيد المسند إليه أو المسند لا تأكيد الاختصاص إلا أن يقال تكرير ما يفيد الاختصاص يؤكد الاختصاص كما يفيد تقوي الحكم وهنا لما أفاد تقديم الضمير الثاني الاختصاص تعريضا بمن عداهم من أهل الكتاب كما صرح به في سورة البقرة فإفادة اختصاص تقديم الضمير الأول الاختصاص يكون تأكيدا فهذا أبلغ مما في سورة البقرة وهو قوله تعالى : وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [ البقرة : 4 ] . قوله تعالى : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 4 ] إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ( 4 ) قوله : ( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ) لما بين أحوال الذين يوقنون بالآخرة شرع في بيان أحوال أضدادهم وتخصيص عدم إيمانهم بالآخرة بالذكر لما خص إيقانهم بها وجه الاختصاص هناك لأن الإيمان بها الركن الأعظم من الإيمان كالإيمان باللّه لأن الإيقان بالآخرة يحمل صاحبه على النظر والتدبر خوف العاقبة حتى يؤمن بجميع ما يحب الإيمان به وترك العاطف لتباين الغرض إذ الأول مسوق لكون الكتاب هدى وبشرى للمؤمنين والثاني سيق لكون أعمالهم القبيحة مزينة لهم والتأكيد بأن للمبالغة في وقوع مضمون الجملة . قوله : ( زين لهم أعمالهم القبيحة بأن جعلها مشتهاة للطبع محبوبة للنفس ) وإسناد التزيين إلى اللّه تعالى حقيقة إذ ما من شيء إلا وهو فاعله وإسناده إلى غيره تعالى مجاز لكونه سببا له قوله : وتكرير الضمير للاختصاص قال صاحب الانتصاف عد الضمير من آيات الحصر ليس بثبت وهنا الضمير مكرر لأن الأصل وهم يوقنون بالآخرة فقدم المجرور للعناية فوقع فاصلا بين المبتدأ والخبر فأريد أن يلي المبتدأ خبره وقد حال المجرور بينهما فتكرر ذكره ولم يفت العناية بالمجرور حيث بقي مقدما وقال الطيبي كلام صاحب الانتصاف كلام من لم يشم رائحة من علم البيان فإنهم اجمعوا على أن مثل أنا عرفت يحتمل التقوى والتخصيص أما التقوى فلتكرر الإسناد وأما التخصيص فلاعتبار تقدم الفاعل المعنوي على عامله ولما تقدم ضميرهم على يوقنون وأكد بالتكرير أفاد التخصيص والتوكيد ولهذا قال صاحب الكشاف معناها وما يوقن بالآخرة حق الايقان إلا هؤلاء المجامعون بين الإيمان والعمل الصالح . قوله : ( بأن جعلها مشتهاة للطبع محبوبة للنفس فسره رحمه اللّه على ما عليه أهل السنة فإنهم قالوا معناه زيناهم أعمالهم بما ركبنا فيهم من الشهوات والأماني حتى رأوا ذلك حسنا وهو كالختم والطبع وفيه اثبات خلق اللّه تعالى أفعال العباد قال الزمخشري فإن قلت كيف أسند تزيين أعمالهم